عادةً ما يبدأ الفيلم الوثائقي بالتعرف إلى الشخصية التي نريد تصويرها، والجلوس معها، والاستماع إلى حكايتها، ومحاولة اكتشاف ما يمكن أن تقوله الكاميرا عنها. لكن مشروع «أشعل فانوس قلبي» بدأ بشرط قلب هذه المعادلة كلها: كان علينا أن نصنع فيلمًا عن شخص لا يعرف أصلًا أننا نصنع فيلمًا عنه. لم يكن الأمر مجرد رغبة في إبقاء تفاصيل العمل سرية، بل إن صاحب الحكاية نفسه، الشاعر والأكاديمي الدكتور محمد حبيبي، لم يكن يعرف شيئًا عن وجود الفيلم حتى اللحظة التي شاهده فيها للمرة الأولى أمام الجمهور.
جاءت الفكرة من عائلته، التي أرادت أن تقدم له مفاجأة فنية في حفل تكريمه بمناسبة حصوله على درجة الأستاذية. كان شقيقه عبدالعزيز حبيبي هو من تواصل معنا في البداية، وتولى إدارة المشروع والتنسيق مع أفراد الأسرة. لم تكن العائلة تريد فيديو تهنئة تقليديًا، بل عملًا يوثق شيئًا من تجربة محمد حبيبي الإنسانية والثقافية، ويمنحه فرصة لرؤية حياته من خلال الأشخاص الذين عرفوه وأحبوه. بالنسبة لنا، كانت الفكرة جميلة، لكنها وضعتنا أمام سؤال إنتاجي وإخراجي غير مألوف: كيف نقترب من حياة إنسان دون أن نتمكن من مقابلته، أو سؤاله، أو تصويره، أو حتى إخباره بأننا نبحث في سيرته؟
كان علينا أن نبني الفيلم من الأطراف، من ذاكرة الآخرين، ومن الأرشيف والصور والأماكن التي مرت بها حياته. بدأنا البحث عن أصدقائه القدامى، وزملائه في المدرسة والجامعة، والشعراء والكتاب والنقاد والأكاديميين الذين عرفوا تجربته، وكذلك الأشخاص الذين رافقوه في نشاطه الثقافي والاجتماعي، ومن بينهم من عرفوه خلال رئاسته السابقة لنادي الوطن. لم نكن نبحث عن شهادات مديح متتابعة، بل عن تفاصيل تساعدنا في اكتشاف الإنسان خلف الألقاب. كيف كان في سنواته الأولى؟ ما الذي ظل ثابتًا فيه رغم تغير المراحل؟ وكيف يرى المقربون منه علاقته بالشعر والمكان والعائلة؟
ومع تقدم البحث، اكتشفنا أننا لا نتعامل مع شاعر يكتب قصائده وينشرها فحسب. كان محمد حبيبي من التجارب التي اشتغلت مبكرًا على ما يُعرف بـ«الشعر الوسائطي»، حيث تتداخل القصيدة مع الصورة الفوتوغرافية والموسيقى ووسائط فنية أخرى. وجدنا أن لديه موقعًا إلكترونيًا يوثق جانبًا من هذه التجارب منذ نحو عشرين عامًا، وأن بعض أعماله الشعرية لا يمكن اختزالها في صفحات مطبوعة، لأنها صُممت لتُقرأ وتُرى وتُسمع في الوقت نفسه. بالنسبة لي، كان هذا الاكتشاف مهمًا؛ فقد أدخلنا إلى عالم أدبي وفني لم نكن نعرف تفاصيله بالقدر الكافي، وفتح أمامنا سؤالًا آخر: إذا كان صاحب الفيلم قد أمضى سنوات في البحث عن لغة تجمع الشعر والصورة والصوت، فكيف نصنع عنه فيلمًا لا يكتفي بالحديث عن هذه التجربة، بل يحاول أن يستلهم شيئًا من لغتها؟
بدأنا ننظر إلى الفيلم بطريقة مختلفة. لم نعد نريد ترتيب شهادات متتابعة تروي سيرته من الطفولة إلى الحاضر، بل البحث عن إيقاع بصري وسمعي يقترب من عالمه. كانت القصائد والصور والأماكن والأصوات جزءًا من المادة التي نحاول من خلالها بناء شخصية لا تظهر أمام كاميرتنا. وكنا ندرك أن غياب محمد حبيبي عن التصوير ليس نقصًا يمكن إخفاؤه بسهولة، بل حقيقة ينبغي أن نتعامل معها بوصفها جزءًا من طبيعة الفيلم. كل من يتحدث عنه يراه من زاوية مختلفة، وكل صورة قديمة تكشف جانبًا من زمن لا نستطيع استعادته، وكل مكان يحمل أثرًا من حياته حتى عندما لا يكون حاضرًا فيه.
أما الحصول على الأرشيف فكان حكاية أخرى. كانت لدينا صور ومواد نحتاج إليها من مكتبه ومقتنياته الخاصة، لكننا لم نستطع ببساطة أن نطلبها منه. هنا جاء دور أبنائه، الذين ساعدونا في الوصول إلى بعض الصور والمواد القديمة من مكتبه أثناء غيابه، دون أن يكتشف سبب الاهتمام المفاجئ بأرشيفه. كانت عملية صغيرة في ظاهرها، لكنها تختصر طبيعة المشروع كله: نصنع فيلمًا عن شخص، بينما نحاول ألا نترك أمامه أي أثر يدل على وجود هذا الفيلم. وحتى الأشياء البسيطة، مثل موعد زيارة أو اتصال أو دخول أحد أفراد الفريق إلى مكان يعرفه، كانت تحتاج إلى تنسيق حتى لا تنكشف المفاجأة.
كان تصوير والدته من أكثر الأيام حساسية. ذهبنا إلى منزلها لإجراء مقابلة معها وتصوير بعض الأماكن المرتبطة بذاكرة العائلة، ومنها مكتبته القديمة. لكن محمد حبيبي اعتاد زيارتها كل يوم تقريبًا عند صلاة المغرب، وكان احتمال وصوله فجأة قائمًا طوال الوقت. لذلك كان أبناؤه يتابعون تحركاته ويحاولون إشغاله والتنسيق معه بطريقة لا تثير شكوكه، بينما ننجز التصوير. كنا نعمل داخل بيت يعرفه جيدًا، ونستمع إلى والدته وهي تستعيد شيئًا من طفولته وحياته، وفي الوقت نفسه نراقب الساعة. كان ذلك المزيج من الحميمية والقلق غريبًا؛ فالمشهد الذي نريد تصويره يحتاج إلى هدوء وإنصات، بينما يذكرنا الواقع بأن صاحب الفيلم قد يطرق الباب في أي لحظة.
ومن المقابلات التي بقيت في ذاكرتي أيضًا مقابلة ابنته الوحيدة، التي كانت تزور السعودية خلال إجازة من دراستها في الولايات المتحدة. استطعنا تصويرها قبل عودتها إلى مقر دراستها، ولذلك لم تتمكن لاحقًا من حضور حفل التكريم. لكن حضورها في الفيلم منح والدها فرصة لأن يراها ويستمع إلى كلماتها في تلك الليلة، رغم المسافة التي تفصل بينهما. في مثل هذه اللحظات، تصبح قيمة الفيلم أبعد من توثيق المعلومات؛ فهو يجمع أشخاصًا وأزمنة وأماكن قد لا تستطيع المناسبة نفسها جمعها في مكان واحد.
كان هناك أيضًا جانب من الحكاية يتعلق بوالده الراحل، الذي توفي خلال جائحة كورونا. عرفنا أن لوالده سيارة حمراء قديمة ارتبطت بذاكرة الأسرة، وأنها تحمل بالنسبة إلى محمد حبيبي معنى خاصًا. قررنا أن نستعيد حضورها بصريًا في الفيلم، لا باعتبارها مجرد سيارة قديمة، بل بوصفها أثرًا من حياة الأب. تولى شقيقه عبدالعزيز حبيبي قيادة السيارة أمام الكاميرا، وصورناها في الشوارع والأزقة الضيقة والمزارع والأماكن التي اعتاد والده المرور بها. كنا نحاول أن نمنح الذاكرة شكلًا مرئيًا دون أن نحولها إلى إعادة تمثيل مباشرة لكل ما حدث. لم يكن الأب موجودًا في الصورة، لكن السيارة كانت تحمل شيئًا من حضوره.
لم يكن تصوير السيارة سهلًا من الناحية الشعورية أيضًا. فهذه ليست قطعة ديكور استعرناها من أحد، بل شيء حقيقي من حياة العائلة، مرتبط بشخص رحل وترك أثره في أبنائه. وحين شاهد محمد حبيبي تلك المشاهد لاحقًا، كانت من أكثر اللحظات التي أثرت فيه. أعتقد أن قوة هذه الصور جاءت من بساطتها؛ لم نحتج إلى شرح طويل لما تعنيه السيارة، لأن حضورها في الأماكن التي عرفها الأب كان كافيًا لاستدعاء ذاكرة كاملة.
حتى اسم الفيلم خرج من عالم محمد حبيبي الشعري. كان لديه ديوان بعنوان «أطفئ فانوس قلبي»، واستلهمنا منه عنوان «أشعل فانوس قلبي». أحببنا هذه المفارقة؛ فالفيلم الذي نصنعه سرًا من أجل صاحبه يبدو كأنه محاولة لإضاءة شيء من حياته أمامه، لا من خلال ما يقوله عن نفسه، بل من خلال ما تركه في ذاكرة الآخرين. ومع تقدم العمل، أصبح العنوان أكثر ارتباطًا بطبيعة الفيلم، خصوصًا أن كثيرًا من الشهادات التي جمعناها كانت تكشف جوانب إنسانية لا تظهر بالضرورة في السيرة المهنية أو الأكاديمية.
استمر العمل ونحن نحاول المحافظة على السر حتى النهاية. لم يكن من السهل أن يشارك عدد كبير من أفراد العائلة والأصدقاء والزملاء في مشروع كهذا دون أن تصل أي معلومة إلى صاحبه، خصوصًا في مجتمع تتقاطع فيه العلاقات ويعرف الناس بعضهم بعضًا. لكن الجميع كان حريصًا على أن تظل المفاجأة كاملة. كنا نعرف أن لحظة العرض الأولى ستكون مختلفة عن أي عرض اعتدناه؛ فالجمهور سيشاهد فيلمًا عن شخص يجلس بينهم، بينما ذلك الشخص نفسه لا يعرف ما الذي ينتظره.
وجاءت ليلة التكريم. حضرنا مع فريق الفيلم، وكان من بيننا المخرج، ومدير الإنتاج إبراهيم زولي، ومدير التصوير، ومهندس الصوت ماجد الحازمي. بالنسبة لي، لم تكن تلك مجرد مناسبة لعرض عمل أنجزناه؛ كانت المرة الأولى التي أعرض فيها فيلمًا وثائقيًا من إنتاجي أمام جمهور في مدينتي ضمد، في جازان. لهذا حملت الليلة معنى شخصيًا إضافيًا. كنت أراقب الجمهور وأنتظر اللحظة التي يبدأ فيها محمد حبيبي في اكتشاف أن الفيلم الذي يُعرض أمامه ليس عن موضوع ثقافي عام، بل عن حياته هو، وعن الأشخاص الذين يعرفهم، والأماكن التي عاش فيها، والتفاصيل التي ربما لم يتوقع أن يراها على الشاشة.
كانت ردود فعله جزءًا من التجربة التي لا يمكن التخطيط لها مسبقًا. رأى والدته وأصدقاءه وابنته، واستعاد عبر الصورة حضور والده وسيارته الحمراء. كان متأثرًا وسعيدًا، وكان استقبال الجمهور للفيلم دافئًا. وفي تلك اللحظة شعرت بأننا نجحنا في أمر كنا نخشى ألا نتمكن من تحقيقه: أن نصنع عملًا عن إنسان دون مشاركته المباشرة، ثم نقدمه له بطريقة تجعله يشعر بأنه حاضر فيه، لا غائب عنه.
علّمني «أشعل فانوس قلبي» أن الفيلم الوثائقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يجلس بطله أمام الكاميرا كي نقترب منه. أحيانًا يمكن أن نتعرف إلى الإنسان من خلال المساحات التي تركها في حياة الآخرين، ومن خلال الأشياء التي احتفظوا بها، والأماكن التي يتذكرونه فيها. كان محمد حبيبي غائبًا عن جميع مراحل صناعة الفيلم، لكنه كان حاضرًا في كل حديث وصورة وموقع زرناه. وحين جلس أخيرًا أمام الشاشة، رأى نفسه كما لم تتح له فرصة أن يراها من قبل: بعين والدته، وشقيقه، وابنته، وأصدقائه، وكل الذين شاركوا في إضاءة شيء من حكايته.

