لم تكن لدينا ميزانية كبيرة، ولا فريق إنتاج ضخم، ولا الوقت الذي تتمناه عادةً لصناعة إعلان بهذا الحجم. كان لدينا مشروع لإطلاق مطعم «مصنف» في الرياض، وفكرة إعلانية أولية، ورغبة مشتركة في أن نصنع شيئًا مختلفًا. وحين انتهينا من العمل وعرضناه على بعض الزملاء في صناعة الإعلانات، قدّروا تكلفته بأرقام تصل إلى خمسة أو ستة أضعاف ميزانيته الفعلية. لم تكن تلك المقارنة مهمة بالنسبة لي بقدر ما كانت تعني أن الصورة التي خرجنا بها استطاعت تجاوز حدود الإمكانيات المتاحة لنا.
بدأ المشروع من فكرة قدمتها الوكالة الإبداعية، تقوم على دخول شخص إلى مطعم في الرياض، لينتقل فجأة إلى جازان، ويعيش تجربة بصرية وثقافية، قبل أن يعود في النهاية إلى المطعم. كانت الفكرة تحمل إمكانية جميلة، لكننا شعرنا منذ البداية بأنها تحتاج إلى معالجة مختلفة. في نقاشاتنا الأولى، أنا والمخرج مصعب محرق ومحمد عسيري، بدأنا نتساءل: لماذا يكون الإعلان مجرد رحلة خيالية تنتهي بالعودة إلى المطعم؟ ولماذا لا نجعل جازان نفسها هي الحكاية، بكل ما تحمله من ثقافات وأماكن ووجوه وألوان؟ لم نكن نريد أن نستخدم المنطقة خلفيةً جميلة للإعلان، بل أن تكون روحها هي التي تقوده.
تطورت الفكرة تدريجيًا حتى أصبح دخول المطعم في الرياض مدخلًا إلى عالم آخر. يبدأ الإعلان وسط ازدحام المدينة، ثم يعبر بطله باب المطعم ليجد نفسه في رحلة بين الجبل والوادي والبحر. اتفقنا على ألا نستعجل إظهار المنتج أو الرسالة التجارية، وأن نمنح المشاهد فرصة للاندماج في التجربة قبل أن نكشف في النهاية عن المطعم. كنا نريد أن يشعر بأن «مصنف» لم يفتح فرعًا جديدًا في الرياض فحسب، بل جاء حاملًا معه شيئًا من جازان. كان ذلك قرارًا إبداعيًا يحمل مخاطرة؛ فالإعلانات غالبًا ما تسعى إلى تقديم العلامة التجارية سريعًا، بينما كنا نطلب من العميل أن يثق في الحكاية حتى لحظتها الأخيرة.
جازان ليست مكانًا يمكن اختزاله في صورة واحدة. من يعرف المنطقة يدرك مقدار الاختلاف بين جبالها وسهولها وسواحلها وجزرها، وبين الأزياء والأهازيج والعادات التي تنتمي إلى كل بيئة. لهذا حاولنا أن نبني الرحلة على تنوعها الثقافي، لا على مجموعة من المناظر الطبيعية المتتابعة. في الجبل، اتجهنا إلى جبل الحشر، واستحضرنا شيئًا من ثقافة خولان وأزيائها، ومن بينها الحريصي، مع حضور فتاة صغيرة من البيئة الجبلية. وفي تهامة، اخترنا وادي الفطيحة بما يحمله من نخيل وخضرة وامتداد بصري يسمح لنا بتصوير الفنون الشعبية في فضائها الطبيعي. أما في المشاهد الساحلية، فذهبنا إلى البيت الفرساني، وإلى تفاصيل الزينة التقليدية والفل والكاذي والذهب، واستلهمنا أجواء العروس الفرسانيّة وطقوسًا مثل «الميل» و«ليلة الحمل». لم يكن هدفنا أن نقدم دليلًا شاملًا لثقافات جازان، بل أن نصنع رحلة قصيرة يشعر فيها ابن المنطقة بأن هذه التفاصيل تخصه فعلًا.
كانت هذه التفاصيل تحتاج إلى عناية تتجاوز اختيار المواقع. الملابس، والزينة، وحركة الممثلين، وطبيعة الضوء، وحتى الدخان الذي يمر أمام الكاميرا، كانت جميعها عناصر في بناء عالم الإعلان. عملنا مع منسقة الأزياء نورا عبري على الوصول إلى حضور بصري يحترم خصوصية البيئات التي نصورها، وحاولنا أن نجعل الصورة سينمائية دون أن نفقد إحساسها بالمكان. كنت أراقب أحيانًا كيف يمكن لتفصيل صغير، كقطعة من الزينة أو لون ثوب أو طريقة دخول الضوء إلى غرفة، أن يغيّر المشهد كله. وفي المقابل، كان علينا أن نكون حذرين من تحويل التراث إلى مجرد زينة جميلة منفصلة عن سياقه.
اتخذنا أيضًا قرارًا كان مهمًا بالنسبة لي شخصيًا: أن يكون معظم فريق التنفيذ من أبناء جازان. بعضهم لم يسبق له العمل في إعلان بهذا المستوى من المتطلبات، لكنني كنت أعرف إمكانياتهم، وأعرف أن الخبرة لا تُكتسب إذا ظللنا ننتظر من الجميع أن يمتلكها قبل أن نمنحه الفرصة. استعنا بقيادات إبداعية من الرياض، وعملنا مع فريق محلي في التصوير والإنتاج والتجهيزات والخدمات الميدانية. لم يكن ذلك قرارًا عاطفيًا فقط؛ فمعرفة الفريق بالمنطقة، وعلاقاته بأهلها، وقدرته على التعامل مع المواقع والظروف، كانت جزءًا حقيقيًا من نجاح العمل. والأهم أن المشروع ترك وراءه علاقات مهنية استمرت بعد انتهاء التصوير.
لكن العمل في مواقع حقيقية، ومع مجموعات كبيرة من المشاركين، لا يسير دائمًا كما هو مكتوب في جدول التصوير. في إحدى الليالي، وقبل يوم تصوير مهم، وصلتنا مشكلة لم تكن في الحسبان. كان الوقت يقترب من العاشرة مساءً عندما اعتذرت الفرقة الشعبية عن المشاركة، بعد طلب متأخر يتعلق بتغيير الأزياء. كنا قد جهزنا يوم التصوير ورتبنا عناصره، ولم يكن من السهل تعويض الفرقة خلال ساعات. اجتمعنا أنا ومصعب ومحمد عسيري وأحمد شريف زولي، وقررنا إلغاء تصوير اليوم التالي. كان القرار مكلفًا، خصوصًا في مشروع محدود الميزانية، لكنه بدا أفضل من تصوير مشهد لا نؤمن بجودته لمجرد الالتزام بالجدول.
استفدنا من اليوم الذي خسرناه في البحث عن موقع أفضل. عدنا إلى استكشاف المنطقة، حتى وجدنا مساحة في الوادي تمنحنا تكوينًا بصريًا أغنى مما كنا نخطط له. لم يكن ذلك تعويضًا كاملًا عن الخسارة، لكنه ذكرني بأن بعض القرارات التي تبدو في لحظتها تراجعًا قد تفتح بابًا لم نكن نراه. وفي صناعة الأفلام، لا تكون المشكلة دائمًا في حدوث ما لم نخطط له، بل في قدرتنا على التعامل معه دون أن نفقد الفيلم الذي نحاول صنعه.
ثم جاء يوم تصوير المشهد الذي ما زلت أذكره أكثر من غيره. كان مصعب يريد لقطة تجمع عناصر كثيرة في كادر واحد: الفرقة الشعبية في المقدمة، وخلفها الإبل وراعيها الصغير، ثم النخيل والحقول الخضراء والجبال والسماء. كان التكوين جميلًا على الورق، لكنه في الواقع يحتاج إلى أن تتعاون معنا الطبيعة والبشر والحيوانات والوقت في اللحظة نفسها. وصلت الفرقة متأخرة، وكانت الشمس تهبط بسرعة، ولم يعد أمامنا سوى وقت قصير للحصول على اللقطة. أما الإبل فلم تكن مرتاحة إلى الدخان والموسيقى وحركة الناس حولها، وكانت تبتعد كلما حاولنا تقريبها من المكان المطلوب.
وجدت نفسي مع مصعب نحاول توجيه الإبل إلى الخلفية التي يريدها، ونهدئ حركتها قدر الإمكان، بينما يستعد الفريق للتصوير. لم يكن أمامنا وقت لشرح طويل أو إعادة المحاولة عشرات المرات. وحين اقتربت الإبل أخيرًا من موضعها، تحركنا بسرعة للخروج من الكادر قبل بدء اللقطة. قد تبدو النتيجة للمشاهد مشهدًا طبيعيًا، كأن كل شيء حدث في مكانه من تلقاء نفسه، لكنني كلما رأيته أتذكر الركض والارتباك والشمس التي كانت تختفي، ومحاولاتنا المستمرة لإقناع الإبل بأن تقف في المكان الذي اختاره المخرج.
لم تكن التحديات ميدانية فقط. كانت هناك نقاشات إبداعية أيضًا، من بينها التحفظ على بعض الخيارات الموسيقية، وعلى مقدار المساحة التي منحناها للحكاية الثقافية قبل ظهور المطعم. وهذه نقاشات طبيعية في العمل الإعلاني؛ فالوكالة والعميل ينظران إلى الرسالة التجارية، بينما يحاول المخرج والفريق إيجاد اللغة الفنية المناسبة لها. ما ساعدنا هو وجود قدر من الثقة سمح لنا بالدفاع عن اختياراتنا، دون أن ننسى أن الإعلان في النهاية عمل أُنتج لخدمة هدف تجاري محدد.
عندما اكتمل الإعلان، كان رد فعل العميل من اللحظات التي أسعدتنا. وصلتني رسالة صوتية مليئة بالحماس، تتكرر فيها كلمات مثل «رهيب» و«جميل». ثم بدأ الإعلان ينتشر، ووصل إلى ملايين المشاهدات عبر المنصات المختلفة. لكن ما بقي في ذاكرتي أكثر من الأرقام هو تفاعل أبناء جازان معه؛ أشخاص وجدوا في الإعلان شيئًا من الأماكن التي يعرفونها، ومن تفاصيل حياتهم وثقافتهم. لم تكن كل التعليقات تتحدث عن المطعم، بل عن الجبل واللباس والرقصات والمشاهد التي أعادت إلى الناس شيئًا من ذاكرتهم.
فتح لنا هذا العمل أبوابًا لم نكن نتوقعها. بعده وصلتنا دعوة من بيبسيكو للمشاركة في منافسة على مشروع إعلاني، إلى جانب وكالات وشركات أكبر منا بكثير، بعضها يعمل على مستوى دولي. كنا آنذاك فريقًا صغيرًا جدًا، لا يتجاوز عددنا الأساسي ثلاثة أو أربعة أشخاص. وصلنا إلى الجولة الثالثة من المنافسة، ولم نفز بالمشروع، لكن مجرد وجودنا في تلك المرحلة كان تجربة مهمة بالنسبة لنا. لم يكن ذلك انتصارًا تجاريًا، لكنه كان مؤشرًا إلى أن حجم الشركة لا يحدد بالضرورة حجم الفرص التي يمكن أن تصل إليها.
أفكر أحيانًا في إعلان «مصنف» بوصفه واحدًا من المشاريع التي علمتني أن الميزانية ليست سوى جزء من معادلة الإنتاج. هناك أشياء لا يمكن شراؤها بسهولة: معرفة المكان، والثقة بين أفراد الفريق، والاستعداد للتراجع عن قرار غير مناسب، والقدرة على رؤية فرصة جديدة وسط مشكلة مفاجئة. لا يعني ذلك أن الإمكانيات المادية غير مهمة؛ فقد كنا سننجز بعض الأمور بسهولة أكبر لو امتلكنا ميزانية أوسع. لكن محدودية الموارد دفعتنا إلى الاعتماد أكثر على التفكير والتعاون والمرونة.
وكلما عدت إلى الإعلان، أجد نفسي أنتظر مشهد الوادي. أشاهد الفرقة والإبل والنخيل والجبال، وأتذكر أن خلف تلك الثواني القليلة يوم تصوير ألغيناه، وموقعًا اكتشفناه متأخرًا، وشمسًا كادت تغيب، ومخرجًا ومنتجًا يركضان خارج الكادر. ربما لهذا أحب الحديث عن صناعة الأفلام بقدر حبي للأفلام نفسها؛ فهناك دائمًا حكاية أخرى لا يراها المشاهد، لكنها تظل حاضرة في ذاكرة الذين صنعوا الصورة.

